| 0 comments ]



 
 
 

الحريّة الحولاء

 

محمود صالح عودة

 

لم تكتف بعض الدول الغربية بنشر الرسومات المسيئة لخير خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم، التي سبق وأثارت موجة من الغضب والعنف حول العالم، كما لم تكتف بإعطاء جائزة واحدة لصاحب تلك الرسومات البذيئة.

 

حصل رسام الكاريكاتور "كورت ويسترغارد" على جائزة م-100 للإعلام قبل أسبوعين، قدمتها له المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، وهي تمتدحه على "دعمه لحريّة الرأي". يأتي ذلك بعد فترة وجيزة من حصول نفس الرسام على جائزة أخرى "للحرية في الإعلام" تمت في الدنمارك، لأنه "صحفي يجمع بين الامتياز في العمل والجرأة وعدم المساومة".

 

يبرز جليًا مع مرور الزمن، الاختلاف بين المفهوم الغربي للحريّة، والمفهوم الإسلامي والعربي لها. إن مفهومنا للحرية يشمل حريّة الاعتقاد؛ فكلٌ حر بإيمانه ومعتقده، الذي هو المحرك الأول والدافع الأكبر لسلوك الإنسان، ثم حريّة التعبير؛ فلا حق لأحد بمنع غيره من التعبير عن رأيه ووجهة نظره وإن خالفه، فلا يفرض رأي على إنسان. ثم إن للحريّة في منظورنا حدودًا، فنهاية الحريّة الاعتداء؛ والرد على الاعتداء يكون بمثله، ومن عفى - بشروط العفو الصحيحة - فأجره على الله.

 

بالمقابل، نجد في المفهوم الغربي للحرية تناقضًا، ففي الوقت الذي تظهر صورة الغرب كأنه راعي الحريّة وحاميها، تقول الوقائع غير ذلك؛ حيث أنه عندما ينشر ذلك الرسام رسوماته المسيئة يبقى عمله بإطار "حريّة التعبير"، ويحصل الشخص على جوائز رسمية من قبل زعماء الدول، لكن عندما ينتقد أحد إسرائيل وجرائمها أيًا كان، يتهم بـ"اللا-سامية". حتى التشكيك بوجود الله لا بأس به، لكن من يجرؤ ويقترح مجرد إعادة النظر والدراسة لحقيقة عدد قتلى اليهود في المحرقة النازية، يُتهم بإنكارها، وفي بعض الحالات يقدم للمحاكم بتهم واهية، حتى لو كان يهوديًا.

 

لا بأس في هذا الاختلاف ما دام الغرب ومجتمعه راضون، إنما تكمن مشكلات كثيرة بتقديم جائزة "تقدير" لشخص أساء لكل مسلم في العالم تحت ذريعة "حرية التعبير"، على يد زعيمة دولة أوروبية كبيرة ذات تأثير عالمي، خاصة بعد أن سبق وأثارت رسومات "الفائز" موجات من العنف والكراهية.

 

إن ما تقوم به الأنظمة الغربية بكل مرجعياتها ناتج عن خلل عميق بمنظوماتها الأخلاقية والقيمية، ومفهومها المادي المشوّه للإنسان. وتقديم جائزة لشخض أساء لربع سكان العالم يُعتبر تشجيعًا لغيره بالإقدام على مثل تلك الاعتداءات.

 

كما إن الدول والجهات التي تدعم ذلك المفهوم لـ"حرية التعبير"، تعمل وفق مخطط يشمل التحريض بشكل مستمر على العالم الشرقي، لتبقي ولو جزءًا ضئيلاً من المصداقية في أذهان شعوبها لحربها على بعض دول الشرق الأوسط  واحتلالها، وتبرير الجرائم والفظائع التي ترتكبها تلك الدول في سبيل "نشر الحرية والديمقراطية" تحت ذرائع وهمية، على ظهر الدبابات وعلى متن الطائرات الحربية، مستخدمة الأسلحة التي هي بنفسها حرمتها، كاليورانيوم المنضب، الذي دمّر الأخضر واليابس، والذي يبقى سببًا في إصابة الناس بالأمراض والأوبئة الفتاكة، والذي لا زال يشوّه أطفال الفلوجة في العراق حتى قبل ولادتهم.

 

ألا إن الخسارة الكبرى لهم، فقد حجب الله عنهم نور معرفة نبيه الكريم، ومكارم أخلاقه وأدبه، والهدى الذي جاء به. ليعلموا أن إساءاتهم وشتائمهم لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه أبدًا لا تنقص من فضله، وتزيدنا اقتداءً به، وفخرًا بانتمائنا له، وللدين الذي أرسله الله به، وبالرغم من عداوتهم لله والنبيين، تبقى فوقهم الآية: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107).

 

 

 

يقول ابن القيم الجوزية عليه رحمه الله:كلامك مكتوب،وقولك محسوب،وأنت يا ذا مطلوب،

ولك ذنوب وما تتوب،وشمس الحياة آخذة في الغروب،فما أقسى قلبك من بين القلوب.

 

 

 

 

 

Suzanne Yousef Al-Mohtaseb

Principal Assistant

English Coordinator

ISO and Internal Auditing committees member 

Amman – JORDAN

 


0 comments

Post a Comment